بنت الخدّامة · الفصل 1 من 12

الإعلان

كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً حين خرجت نور من باب مستشفى "الرحمة" الخاص للمرة الأخيرة. كانت تحمل كيساً بلاستيكياً صغيراً فيه كل ما تبقى لها من ثلاث سنوات عمل: كوب شاي عليه اسمها، وسماعة طبية قديمة، وورقة فصل مكتوب فيها بخط بارد: "لعدم الالتزام بتعليمات الإدارة".

لم تبكِ. كانت قد قررت منذ زمن بعيد أن البكاء رفاهية لا تملكها بنات السيدة زينب. لكنها حين وقفت على الرصيف تنتظر الميكروباص، وشعرت ببرد نوفمبر يتسلل من تحت معطفها الخفيف، تذكرت ما حدث قبل ساعتين فقط، فعاد قلبها يغلي من جديد.

ابن رجل الأعمال الكبير، الشاب الذي دخل الطوارئ مخموراً بعد حادث بسيط، صرخ في وجه امرأة عجوز تنتظر دورها منذ ثلاث ساعات، وأمر الطبيب المناوب أن يتركها ويهتم به أولاً. والطبيب، الذي يعرف جيداً من يدفع الرواتب، كاد أن يفعل. لكن نور وقفت بين السريرين وقالت بصوت سمعه كل من في الممر:

"الست دي جت قبلك، وحالتها أخطر من حالتك. لو مستعجل أوي، فيه مستشفى تانية على أول الشارع."

ضحك الشاب ضحكة قصيرة، ثم أخرج هاتفه. وبعد ساعة واحدة، كانت ورقة الفصل على مكتب المدير.

في البيت، كانت أمها نائمة على الكنبة الصغيرة في الصالة، والتلفزيون مفتوح على قناة القرآن، وعلبة الدواء بجوارها نصف فارغة. وقفت نور تنظر إليها طويلاً. فاطمة عبد الرحيم، المرأة التي ربّتها وحدها منذ كانت في الرابعة، أصبحت تنهج إذا صعدت درجتين من السلم، وتزرقّ شفتاها حين تتعب. والطبيب قال الكلمة التي كانت نور تخاف منها: "لازم عملية قلب مفتوح في أقرب وقت. والتكلفة مش أقل من مية وخمسين ألف."

مئة وخمسون ألفاً. وراتب نور، قبل أن تُفصل، كان ستة آلاف جنيه.

غطّت أمها بالبطانية، وأطفأت التلفزيون، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب. هناك فقط سمحت لنفسها أن تجلس على الأرض وتضع رأسها بين ركبتيها.

رنّ هاتفها. كانت منى، صديقتها منذ مدرسة التمريض.

"إيه يا بنتي، سمعت اللي حصل. المستشفى كلها بتتكلم عنك. إنتي مجنونة؟"

"كنتي عايزاني أسيب الست تموت؟"

"لا يا ستي، كنت عايزاكي تسيبي الدكتور يتصرف وإنتي تفضلي في شغلك. بس خلاص، اللي حصل حصل. اسمعي، أنا بعتّلك حاجة على الواتس، شوفيها دلوقتي."

فتحت نور الرسالة. كان إعلاناً منشوراً في جروب للممرضين:

"مطلوب ممرضة مقيمة لرعاية سيدة مسنّة بعد جلطة. فيلا بالتجمع الخامس. خبرة لا تقل عن سنتين. الراتب: عشرون ألف جنيه شهرياً. للتواصل: مكتب عائلة الحديدي."

قرأت الرقم مرتين. عشرون ألفاً. في شهور قليلة يمكن أن تجمع مقدّم العملية، وربما تقترض الباقي.

"عشرين ألف؟ أكيد فيه حاجة غلط."

"الغلط إنك لسه بتفكري. الإنترفيو بكرة الساعة عشرة الصبح، وأنا بعتّلهم الـCV بتاعك خلاص."

"منى!"

"ما تشكرينيش. البسي حاجة شيك، وما تعمليش فيها بطلة قدامهم، ماشي؟"

في صباح اليوم التالي، وقفت نور أمام بوابة حديدية سوداء عالية، تعلوها لوحة نحاسية صغيرة كُتب عليها بخط أنيق: "فيلا الحديدي". من خلف القضبان رأت حديقة واسعة كأنها مرسومة بالمسطرة، ونافورة في المنتصف، وبيتاً أبيض من ثلاثة طوابق بنوافذ طويلة تغطيها ستائر ثقيلة.

ضغطت الجرس، فانفتحت البوابة وحدها دون أن يسألها أحد عن اسمها، كأن البيت كان يعرف أنها قادمة.

استقبلها رجل عجوز يرتدي جلباباً رمادياً نظيفاً، ووجهه مليء بالتجاعيد الطيبة. "اتفضلي يا بنتي، الست ناهد مستنياكي جوه." ثم توقف لحظة ونظر إلى وجهها بطريقة غريبة، كأنه يحاول أن يتذكر شيئاً. "هو أنا شفتك قبل كده؟"

"ما أظنش يا عم."

"أنا سيد، الجنايني هنا من أربعين سنة." هز رأسه ببطء. "شبه حد كنت أعرفه... يمكن أكون بخرّف."

كانت ناهد الحديدي جالسة في صالون واسع تملؤه رائحة الورد الأبيض. امرأة في الخمسينات، شعرها مصفف بعناية، ترتدي بدلة بلون الكريم، وفي معصمها سوار ذهبي رفيع. لم تقم حين دخلت نور، ولم تمد يدها. أشارت فقط إلى كرسي بعيد.

"نور عبد الرحيم. أربعة وعشرين سنة. اتفصلتي امبارح من مستشفى الرحمة."

ارتبكت نور. "حضرتك عرفتي إزاي؟"

"إحنا عيلة الحديدي يا آنسة. مفيش حاجة بتحصل في البلد دي من غير ما نعرفها." ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها. "قوليلي، اتفصلتي ليه؟"

قررت نور ألا تكذب، وحكت ما حدث باختصار. وحين انتهت، رفعت ناهد حاجبها. "يعني بتحبي تعملي مشاكل."

"لأ يا فندم. بحب أعمل الصح."

قبل أن ترد ناهد، جاء صوت رجل من عند الباب: "والصح إنها ما سابتش مريضة عشان خاطر واحد معاه فلوس. ودي بالظبط الحاجة اللي إحنا محتاجينها."

التفتت نور. كان واقفاً عند مدخل الصالون، طويل القامة، يرتدي قميصاً أبيض بأكمام مطوية، وفي يده ملف. وجهه حاد الملامح، وعيناه بلون القهوة الغامقة، فيهما شيء بارد ومتعب في الوقت نفسه. لم يكن يبتسم.

"آدم." قالت ناهد بنبرة فيها ضيق خفيف. "إحنا لسه بنتكلم."

"وأنا خلّصت كلامي." تقدم ووضع الملف أمام نور. "تيتة صفية صعبة. رمت تلات ممرضات برّه البيت في شهرين. بتزعق، وبترمي الدوا، وبتشتم. لو جاية هنا عشان المرتب بس، يبقى ما تضيعيش وقتي ولا وقتك."

رفعت نور عينيها إليه. "أنا جاية عشان المرتب فعلاً. أمي محتاجة عملية. بس عمري ما سبت مريض، حتى لو شتمني."

صمت لحظة، ونظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. ثم قال: "تبدأي من بكرة. هتقيمي هنا ست أيام في الأسبوع. ممنوع تطلعي الدور التالت. وممنوع تتكلمي برّه عن أي حاجة بتحصل في البيت ده. مفهوم؟"

"مفهوم."

وخرج كما دخل، دون أن يقول وداعاً. وحين التفتت نور إلى ناهد، وجدتها تنظر إليها بعينين ضيقتين، كأنها تحاول أن تقرأ شيئاً مكتوباً على جبينها.

عادت نور إلى البيت في المساء، وفي يدها عقد العمل وعلبة كنافة اشترتها لأول مرة منذ شهور. كانت تشعر أن الدنيا، بعد طول عبوس، قررت أن تبتسم لها قليلاً.

"ماما! قومي، عندي خبر حلو!"

جلست أمها وهي تبتسم ابتسامتها المتعبة. حكت لها نور كل شيء: الإعلان، والفيلا، والراتب، والعملية التي لم تعد حلماً بعيداً. وفي النهاية وضعت العقد في حجرها. "اقري بنفسك. عشرين ألف يا ماما. عشرين!"

لبست فاطمة نظارتها ببطء وبدأت تقرأ. وفجأة توقفت يدها. رأت نور لون وجه أمها يتغير، من الأصفر الشاحب إلى الأبيض تماماً، كأن الدم انسحب منه دفعة واحدة.

"الحديدي؟" همست. "فيلا الحديدي... في التجمع؟"

"آه يا ماما. إنتي تعرفيهم؟"

لم ترد. وقفت فجأة رغم تعبها، ومزّقت العقد نصفين ثم أربعة، وألقته على الأرض، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة مخيفة.

"ماما! بتعملي إيه؟ اهدي، قلبك!"

أمسكت فاطمة ذراع ابنتها بقوة لم تعرفها نور فيها من قبل، وعيناها مليئتان بدموع ورعب حقيقي.

"اسمعيني كويس يا نور. أي حاجة في الدنيا... إلا البيت ده. البيت ده خد مني كل حاجة. ولو رجلك دخلته، هياخدك إنتي كمان."

الفصل التالي