بنت الخدّامة · الفصل 2 من 12
لم تنم نور تلك الليلة. ظلت تسمع أمها تتقلب في الغرفة المجاورة، وتسعل، وتهمس بكلام لا يُفهم. وفي الفجر، حين دخلت لتطمئن عليها، وجدتها جالسة على طرف السرير، تمسك صورة قديمة بالأبيض والأسود ثم تخفيها بسرعة تحت الوسادة.
"ماما، أنا لازم أفهم. البيت ده عملك إيه؟"
"مفيش حاجة تتفهم. قلتلك لأ، يعني لأ."
"طب والعملية؟ هنجيب مية وخمسين ألف منين؟"
أدارت فاطمة وجهها نحو الحائط. "ربنا موجود."
في الضحى، جاءت النوبة. ألم حاد في الصدر، وعرق بارد، وشفتان زرقاوان. ركضت نور بأمها إلى مستشفى الحسين الجامعي، وهناك، بعد ساعات من الانتظار والأجهزة والتحاليل، قال الطبيب بهدوء من اعتاد قول الأخبار السيئة:
"الحالة مش هتستحمل أكتر من شهرين. لو ما اتعملتش العملية... أنا آسف."
خرجت نور إلى الممر، وأخرجت هاتفها بيد ترتعش، واتصلت بالرقم المكتوب في الملف.
"ألو، أنا نور عبد الرحيم. أنا لسه موافقة على الشغل... لو المكان لسه فاضي."
قالت لأمها إنها وجدت عملاً في مستشفى خاص بالتجمع، وإنها ستبيت هناك. كانت أول كذبة كبيرة في حياتها، وشعرت بها تجرح حلقها وهي تقولها. وحين قبّلت فاطمة جبينها وقالت: "ربنا يكرمك يا بنتي ويبعد عنك ولاد الحرام"، اضطرت نور أن تدير وجهها نحو الشباك كي لا ترى أمها عينيها.
في الفيلا، كانت غرفة الجدة صفية في الطابق الأول، واسعة ومليئة بالضوء، لكن رائحة الدواء والعزلة كانت تملؤها. على السرير الطبي، جلست امرأة نحيلة في أواخر السبعينات، شعرها أبيض كالقطن، ونصف وجهها الأيسر ثقيل من أثر الجلطة. لكن عينيها، عينيها كانتا حادتين كالصقر.
"إنتي الجديدة؟"
"أيوه يا حاجة. أنا نور."
"نور؟" ضحكت ضحكة مكسورة. "اسم كبير على واحدة زيك. هاتي الكوباية دي."
ناولتها نور كوب الماء، فرمته الجدة على الأرض بكل ما في يدها اليمنى من قوة. "سخنة! عايزة تحرقيني؟"
كان الماء بارداً. انحنت نور، ولمّت الزجاج المكسور بهدوء، ثم ملأت كوباً آخر، وجلست على الكرسي بجوار السرير وانتظرت.
"إنتي مش هتمشي؟"
"لأ."
"التلاتة اللي قبلك مشيوا."
"أنا مش زيهم."
نظرت إليها الجدة طويلاً، ثم أخذت الكوب وشربت دون كلمة. وبعد لحظة سألت فجأة، وعيناها على النافذة:
"إنتي منين؟"
"من السيدة زينب يا حاجة."
توقفت يد الجدة عن الحركة فوق البطانية. ولم تقل شيئاً. لكن نور لاحظت أنها، لبقية ذلك اليوم، لم ترمِ شيئاً آخر.
كانت غرفة نور في الجناح الخلفي من البيت، حيث تسكن الخادمات. غرفة صغيرة بسرير حديدي ونافذة خشبية قديمة تطل على الجراج وأشجار الكافور. في ليلتها الأولى، وبينما كانت تحاول أن تفتح النافذة العالقة، لاحظت خدوشاً على الإطار الخشبي من الداخل، قريباً من الأرض، على ارتفاع طفل صغير.
انحنت وأضاءت كشاف هاتفها. كانت حروفاً محفورة بشيء مدبب، دبوس أو مسمار، بخط طفولي مائل تحت طبقات من الطلاء القديم: "نور".
وبجوار الاسم قلب صغير غير متساوٍ.
جلست على الأرض الباردة وأصابعها تتحسس الحروف. قالت لنفسها إنها صدفة، فاسم نور منتشر جداً، وآلاف البنات اسمهن نور. لكنها لم تستطع أن تنام تلك الليلة، وظلت ترى في الظلام طفلة صغيرة لا تعرف وجهها، تجلس في هذا المكان بالضبط، وتحفر اسمها كي لا يُنسى.
مرّ الأسبوع الأول ثقيلاً. كانت الجدة ترفض الأكل، وتشتم، وتنادي بأسماء أشخاص غير موجودين. لكن نور لاحظت شيئاً: إذا قرأت لها بصوت عالٍ تهدأ، وإذا مسحت على يدها المشلولة تنام. وفي اليوم السادس، حين أنهت نور قراءة سورة يوسف، فتحت صفية عينيها وقالت بصوت واضح:
"صوتك حلو. بيفكرني بحد."
كانت الكاميرا الصغيرة في زاوية السقف تومض بنقطة حمراء. وكانت نور تعرف أن آدم الحديدي يراقب. كانت تراه أحياناً واقفاً عند باب الغرفة في المساء، بعد أن يعود من الشركة، يتأمل جدته النائمة ثم يمضي دون أن يقول شيئاً. وذات ليلة، وجدت على مكتبها الصغير ظرفاً مكتوباً عليه بخط أنيق: "مقدّم شهرين. عشان الوالدة." لم يكن عليه توقيع.
أما ناهد، فكانت تمر كالظل. تفتح الباب فجأة، تنظر إلى الأدوية، تعدّ الأقراص بعينيها، ثم تخرج. وفي اليوم الثالث وضعت قواعدها بوضوح:
"الأكل في المطبخ مع الخدم. الموبايل ممنوع جنب الحاجة. والدور التالت..." توقفت لحظة. "الدور التالت ده مش موجود بالنسبالك. فاهمة؟"
"فاهمة. بس ليه؟"
"عشان أنا قلت كده."
ثم كان هناك شريف. ابن ناهد، في أوائل الثلاثينات، وسيم بطريقة لامعة، يضحك كثيراً ويتكلم أكثر. ظهر في المطبخ في يومها الرابع وهي تشرب الشاي، وجلس أمامها دون استئذان.
"إنتي بقى الممرضة اللي تيتة ما رمتهاش برّه؟ دي معجزة. أنا شريف، ابن عمة آدم. أو زي ما بيقولوا هنا: القريب الفاشل."
ابتسمت نور رغماً عنها. "وإنت فاشل فعلاً؟"
"بالنسبة لعيلة الحديدي؟ أي حد مش آدم يبقى فاشل." غمز بعينه. "خدي بالك منه. آدم ده عنده تلاجة مكان القلب."
في الليلة السابعة، استيقظت نور على صوت الجرس الصغير الموصول بسرير الجدة. نظرت إلى الساعة: الثالثة وسبع دقائق. ركضت إلى الغرفة فوجدت صفية جالسة في سريرها، عيناها مفتوحتان على اتساعهما، تنظران إلى شيء ما في الظلام.
"يا حاجة؟ إنتي كويسة؟ حاسة بوجع؟"
أضاءت نور الأباجورة الصغيرة. وفي اللحظة التي سقط فيها الضوء على وجهها، تجمدت الجدة. ارتعشت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع، وامتدت يدها اليمنى المرتعشة لتمسك معصم نور بقوة مدهشة.
"فاطمة؟" همست. "إنتي رجعتي يا فاطمة؟"
تجمد الدم في عروق نور. "يا حاجة... أنا نور. مين فاطمة؟"
لكن الجدة لم تكن تسمع. كانت تبكي الآن، بكاءً صامتاً يهز كتفيها النحيلين، وأصابعها تغوص في معصم نور كأنها تخاف أن تختفي.
"سامحيني يا فاطمة. أنا عارفة إنك ما سرقتيش العقد... أنا عارفة. وسكتّ. عشرين سنة وأنا ساكتة."