بنت الخدّامة · الفصل 3 من 12
لم تقل الجدة شيئاً آخر تلك الليلة. غابت في نوم ثقيل بعد دقائق، ويدها ما زالت ممسكة بمعصم نور. وظلت نور جالسة على الكرسي حتى الفجر، لا تجرؤ على التحرك، والكلمات تدور في رأسها كالدوامة: "فاطمة... ما سرقتيش العقد... عشرين سنة."
في الصباح، كانت صفية قد عادت إلى طبيعتها، حادة ومتذمرة، ولا تتذكر شيئاً. وحين سألتها نور بحذر: "يا حاجة، إنتي كنتي تعرفي واحدة اسمها فاطمة؟"، أدارت الجدة وجهها نحو النافذة وقالت: "أنا عارفة ناس كتير ماتوا. سيبيني أرتاح."
كان يوم الجمعة إجازتها. ركبت نور أول ميكروباص إلى السيدة زينب، وصعدت السلالم الضيقة إلى الشقة، ووجدت أمها في المطبخ تقطّع البصل.
"ماما. أنا لازم أكلمك."
"خير يا حبيبتي؟ المستشفى الجديدة عاملة إيه؟"
أخذت نور نفساً طويلاً. "أنا ما بشتغلش في مستشفى يا ماما. أنا بشتغل في فيلا الحديدي."
سقطت السكينة من يد فاطمة على الأرض. لم تلتقطها. ظلت واقفة، ظهرها لابنتها، وكتفاها يرتجفان.
"وامبارح بالليل، الحاجة صفية مسكت إيدي وقالتلي يا فاطمة. وقالت إنها عارفة إنك ما سرقتيش العقد." اقتربت نور منها ببطء. "ماما، أي عقد؟ إنتي اتهموكي بإيه؟"
استدارت فاطمة أخيراً. كان وجهها مبللاً بالدموع، لكنها لم تكن تبكي من البصل.
جلستا على الأرض في المطبخ الضيق، كما كانتا تفعلان حين كانت نور صغيرة. وتكلمت فاطمة. تكلمت كأن الكلام كان محبوساً في صدرها عشرين عاماً وانفتح له باب أخيراً.
"كنت بشتغل عندهم مدبرة منزل. إنتي كان عندك أربع سنين، وكنتي بتيجي معايا ساعات وتلعبي في الجنينة مع آدم الصغير. الحاجة صفية كانت بتحبني زي بنتها. والبيه مراد، ابنها وأبو آدم، كان راجل محترم بجد."
توقفت لحظة، ونظرت إلى يديها.
"كان عندهم عقد ألماظ. اسمه عقد الملكة، لأنه كان هدية من أيام الملك لجدة الحاجة صفية. حاجة ما تتقدرش بتمن. ليلة عيد ميلاد الحاجة الستين، عملوا حفلة كبيرة في الجنينة. وبعد الحفلة، العقد اختفى من الخزنة. فتّشوا البيت كله... ولقوه في شنطتي أنا يا نور. في شنطتي."
"وإنتي ما خدتيهوش."
"والله العظيم ما لمسته. عمري ما فتحت الخزنة دي. بس مين هيصدق الخدّامة؟ كانت الجنينة لسه مليانة زينة الحفلة، والفوانيس منورة، والخدم كلهم واقفين بيبصولي. حتى اللي كنت بأكّلهم بإيدي، محدش فيهم قال كلمة."
أغمضت نور عينيها. وفجأة عادت إليها ذكرى لم تفهمها أبداً: فناء المدرسة الابتدائية، وأطفال يلتفون حولها ويغنون بصوت عالٍ: "بنت الحرامية! بنت الحرامية!" كانت تعود إلى البيت باكية، فتضمها أمها وتقول: "عيال قليلين الأدب، ما تسمعيلهمش." ولم تسأل نور أبداً من أين جاءت الكلمة. كانت صغيرة جداً لتفهم أن الأطفال يرددون ما يسمعونه من آبائهم.
"وبعدين؟" همست.
"وبعدين؟" ضحكت فاطمة ضحكة موجوعة. "ناهد هانم صرخت وقالت: هي دي اللي كنا مأمّنينها على بيتنا! وجابوا البوليس، وخدوني من البيت قدام الناس كلها. وبعدين، بعد كام يوم، اتنازلوا عن المحضر، بس الفضيحة كانت خلاص. محدش في مصر كلها رضي يشغلني بعدها. كنت بمسح سلالم العمارات عشان أأكلك."
"وبابا؟ بابا كان فين ساعتها؟"
ارتبكت فاطمة للحظة، ونظرت بعيداً. "أبوكي... كان مات قبلها. قلتلك قبل كده، حادثة."
شعرت نور أن هناك شيئاً ناقصاً في هذه الجملة، لكنها لم تضغط. كانت أمها ترتجف، والأطباء حذروها من أي انفعال.
"يا ماما، الحاجة صفية عارفة إنك بريئة. قالتها بلسانها."
"وإيه الفايدة؟" همست فاطمة. "عشرين سنة يا نور. عشرين سنة الناس بتقول عليّا حرامية. سيبي البيت ده، أبوس إيدك."
وقفت نور، وغسلت وجهها، ثم قبّلت رأس أمها.
"مش هسيبه يا ماما. أنا هرجع. ومش هخرج منه إلا ومعايا اسمك نضيف زي ما كان."
عادت إلى الفيلا مساء السبت، وفي صدرها نار هادئة. صارت ترى البيت بعينين جديدتين. هذه الحديقة لعبت فيها وهي صغيرة. هذا المطبخ ربما وقفت فيه أمها آلاف المرات. وهذه السلالم الرخامية العريضة... تؤدي إلى الدور الثالث.
في تلك الليلة، اقترب منها شريف في الحديقة وهي تجلس على الدكة الخشبية قرب النافورة.
"قاعدة لوحدك ليه؟ تيتة نامت؟"
"نامت."
جلس بجوارها، أقرب مما يجب قليلاً. "عارفة إنك أول واحدة تيتة تبتسملها من سنين؟ حتى آدم بقى بيسأل عليكي." ضحك. "وده في حد ذاته حدث تاريخي."
"وإنت ساكن هنا من زمان؟"
"من وأنا عندي عشر سنين. من بعد ما بابا مات." لعب بكوب الشاي بين أصابعه. "ماما جابتني هنا وقالت: من النهارده ده بيتنا. بس هو عمره ما كان بيتنا. ده بيت آدم. حتى الكراسي هنا بتعرف ده."
"إنت ليه بتتكلم عن ابن خالك كده؟"
"عشان أنا الوحيد اللي بيقول الحقيقة في البيت ده." نظر إليها نظرة طويلة. "لو احتجتي أي حاجة يا نور، أي حاجة، أنا موجود. البيت ده مش أمان لواحدة لوحدها زيك."
لم تعرف نور إن كان ذلك تحذيراً أم تهديداً.
بعد منتصف الليل، حين نام البيت كله، خرجت نور من غرفتها حافية. صعدت السلالم ببطء، درجة درجة، وقلبها يدق في أذنيها. عند منعطف الطابق الثالث، كان هناك باب خشبي ثقيل مغلق بقفل نحاسي قديم، وعلى المقبض طبقة رقيقة من الغبار.
مدّت يدها تلمس القفل.
"لو كنت مكانك، ما كنتش عملت كده."
استدارت بسرعة كادت تسقطها. كان آدم واقفاً في أعلى السلم، في الظل، يرتدي ملابس البيت، وفي يده ملف بني. لم يكن غاضباً، وكان ذلك أكثر رعباً من الغضب.
"أنا... كنت بدوّر على..."
"على إيه؟" نزل درجتين حتى صار أمامها مباشرة. "على الحمّام؟ في الدور اللي قلتلك إنه ممنوع؟"
لم تجد ما تقوله. فتح آدم الملف ببطء، وأخرج منه ورقة قديمة صفراء الحواف، صورة من محضر شرطة، ورفعها أمام عينيها.
"أنا عارف إنك بنت فاطمة عبد الرحيم يا نور." قالها بهدوء قاتل. "وعارف إنك كدبتي في كل حرف في الـCV بتاعك. والسؤال دلوقتي: إنتي جاية البيت ده تاخدي إيه؟"