بنت الخدّامة · الفصل 4 من 12
"أنا ما كدبتش في الـCV." خرج صوتها أقوى مما توقعت. "كل كلمة فيه صح. أنا بس ما كتبتش إن أمي اشتغلت هنا. وده مش كدب."
"ده إخفاء."
"وإنت؟ إنت ما خبيتش إنك عارف من الأول؟"
لأول مرة منذ عرفته، رأت شيئاً يتحرك في وجه آدم الحديدي. لم يكن ابتسامة بالضبط، بل شيء يشبه الإعجاب المتردد. أغلق الملف.
"تعالي ورايا."
قادها إلى مكتبه في الطابق الثاني. غرفة واسعة مليئة بالكتب، وفيها مدفأة مطفأة، وعلى المكتب صورة واحدة في برواز فضي: رجل وامرأة يضحكان، وبينهما طفل في السابعة يحمل طائرة ورقية.
"دول أبويا وأمي." قال آدم دون أن ينظر إلى الصورة. "ماتوا في حادثة عربية على طريق السويس. الليلة اللي اختفى فيها العقد... هي نفس الليلة اللي ماتوا فيها."
شعرت نور ببرودة تزحف على ذراعيها.
"الكل قال إنها حادثة. فرامل العربية فشلت، والطريق كان ضلمة. بس أنا كان عندي اتناشر سنة، وفاكر كويس أوي إن أبويا كان متخانق مع حد في البيت قبلها بساعة. كان بيزعق زي ما عمري ما سمعته بيزعق. وبعدين خد أمي ومشي في نص الليل. ليه؟ رايحين فين الساعة اتنين بالليل؟ محدش عمره جاوبني."
جلس على حافة المكتب، وفرك جبينه بتعب.
"لما شفت اسمك في طلبات الشغل، عرفته على طول. عبد الرحيم مش اسم نادر، بس العنوان في السيدة زينب، وتاريخ الميلاد... أنا كنت بلعب معاكي في الجنينة يا نور. إنتي مش فاكرة، بس أنا فاكر."
"يعني إنت شغلتني عشان أنا بنتها؟"
"شغلتك عشان تيتة صفية هي الشاهد الوحيد اللي فاضل على الليلة دي. والجلطة خلت ذاكرتها مكسرة، بس الحاجات القديمة بترجعلها حتت حتت. وهي محتاجة حد تثق فيه عشان تتكلم." نظر إليها مباشرة. "وإمبارح بالليل، أنا شفت في الكاميرا. هي فكرتك فاطمة. واعترفت بحاجة ما اعترفتش بيها لحد طول عشرين سنة."
"يعني إنت كنت بتستغلني."
"كنت بدوّر على الحقيقة. وإنتي كمان." وقف واقترب منها. "عندي عرض. ساعديني أعرف إيه اللي حصل الليلة دي. اقعدي مع تيتة، خليها تفتكر، قوليلي كل كلمة تقولها. وفي المقابل، عملية والدتك هتتعمل في أحسن مستشفى في مصر، على حسابي، الأسبوع الجاي."
ارتعشت شفتا نور. العملية. الأسبوع القادم. كانت تحسب الشهور والأيام، وهذا الرجل يضعها أمامها كأنها لا شيء.
"وافرض..." ابتلعت ريقها. "وافرض طلع إن أمي هي فعلاً اللي سرقت؟"
"يبقى عرفنا الحقيقة. وأنا مش هأذيها، أوعدك." سكت لحظة. "بس أنا مش مصدق إنها سرقت. ولا عمري صدقت."
نظرت إليه طويلاً. ثم مدّت يدها.
"اتفقنا. بس بشرط: أي حاجة نعرفها عن أمي، أنا أعرفها الأول."
أمسك يدها. كانت يده دافئة، على عكس كل ما توقعته.
"اتفقنا."
في اليوم التالي، جلست نور مع الجدة صفية طوال الصباح. لم تسألها عن الماضي مباشرة. قرأت لها، ومشطت شعرها الأبيض، وحكت لها عن السيدة زينب، وعن بائع الفول الذي يغني لأم كلثوم كل صباح. وكانت الجدة تبتسم بنصف فمها.
وفي العصر، بينما كانت نور تدهن يدها المشلولة بالكريم، قالت الجدة فجأة بصوت واضح تماماً:
"مراد كان بيحب الألبوم الأحمر."
توقفت يد نور. "ألبوم إيه يا حاجة؟"
"الألبوم الأحمر. فيه صور الحفلة. كان دايماً بيقول إن الصور ما بتكدبش." مدّت الجدة يدها السليمة إلى رقبتها، وسحبت من تحت قميص النوم شريطاً أسود رفيعاً معلقاً فيه مفتاح نحاسي صغير. "روحي هاتيه يا فاطمة. هو في أوضة مراد. فوق."
كان المفتاح دافئاً من جسدها. وضعته نور في كفها وأغلقت أصابعها عليه.
كانت تعرف أن عليها أن تخبر آدم أولاً. لكنه سافر إلى الإسكندرية لاجتماع ولن يعود قبل الغد. وكانت تعرف أيضاً أن الجدة قد تنسى غداً، وتطلب المفتاح، وتضيع الفرصة.
في الواحدة بعد منتصف الليل، صعدت إلى الطابق الثالث مرة أخرى.
انفتح القفل النحاسي بصوت خافت. ودخلت نور غرفة متجمدة في الزمن.
كان كل شيء كما تُرك قبل عشرين عاماً: سرير كبير مغطى بملاءة بيضاء صارت رمادية، ومكتب عليه أوراق مصفرة، وعلى الحائط ساعة توقفت عقاربها عند الثانية وعشر دقائق. وفي الهواء رائحة غبار قديم، وتحتها، خافتة جداً، رائحة عطر رجالي.
أضاءت كشاف هاتفها وبحثت. في الدرج الثالث من المكتب وجدت الألبوم الأحمر. أخرجته بيدين مرتعشتين، وفتحت صفحته الأولى دون أن تقصد.
كانت صورة من الحفلة. الحديقة مضاءة بالفوانيس، والضيوف بملابس السهرة، وفي المنتصف رجل يشبه آدم كثيراً يرفع كأس عصير ويضحك. وفي خلفية الصورة، عند باب المطبخ، امرأة شابة بمريلة بيضاء تحمل صينية، وجهها مألوف حتى الألم: أمها، قبل عشرين عاماً، قبل أن يُطفئ الظلم عينيها.
وعلى عشب الحديقة، في زاوية الصورة، طفلان صغيران يمسكان طائرة ورقية حمراء: صبي في السابعة، وطفلة في الرابعة بضفيرتين وفستان أصفر.
لمست نور وجه الطفلة بطرف إصبعها. لم تكن تتذكر هذه الليلة. لم تكن تتذكر الفستان، ولا الطائرة، ولا الصبي. لكن قلبها تذكر، فانقبض حتى آلمها.
أغلقت الألبوم بسرعة. وتحته، في قاع الدرج، كان هناك صندوق مجوهرات صغير من خشب الأبنوس، عليه حرف "م" محفور بالذهب.
لم تكن تنوي فتحه. لكن يدها فعلت.
وفي الداخل، على قطيفة زرقاء باهتة، تحت ضوء الهاتف المرتعش، كان يلمع شيء جعل أنفاسها تتوقف: عقد من الألماس، صفوف متتالية من الحجارة الصافية تتوسطها ماسة كبيرة على شكل دمعة.
عقد الملكة.
العقد الذي خرجت أمها من هذا البيت متهمة بسرقته... لم يغادر هذا البيت أبداً.
وفجأة، دون أي صوت، اشتعل ضوء الغرفة كله.
"بتدوّري على إيه يا بنت فاطمة؟"
كانت ناهد الحديدي واقفة عند الباب بروب حريري أسود، ويدها ما زالت على مفتاح النور، وعيناها لا تنظران إلى وجه نور... بل إلى الصندوق المفتوح بين يديها.